علي بن أحمد المهائمي
20
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
( فَأَوْجَسَ ) اى أضمر ( فِي نَفْسِهِ ) بحيث لا يظهر لغيره ( خِيفَةً ) من توهم الخلق المعارضة بان لهم من حبالهم وعصيهم حيات كما أن له من عصاه حية ( مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ ) المعارضة بل ( إِنَّكَ ) مع وحدتك ( أَنْتَ الْأَعْلى ) أي الغالب عليهم لكون حيتك أكبر من حياتهم بكثير ( وَ ) لا تلتفت لكثرتها بل ( أَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ ) التي هي الجانب القوى في نفسها مع تقويتنا إياها ( تَلْقَفْ ) أي تلتقط التقاط الطائر جميع ( ما صَنَعُوا ) ولا يبعد ذلك لأنهم ( إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ) في مقابلة المعجزة ( وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ ) أي لا يفوز بمطلوبه ( حَيْثُ أَتى ) أي أىّ مكان جاء لدفع الحق فكيف يفلح حيث أتى معارضا لدفع المعجزة فالقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ) بعد ما ألقوا حبالهم وعصيهم للمعارضة ( سُجَّداً ) بالذلة ( قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ) قدموا هارون لما في تقديم موسى من ايهام إرادة فرعون ( قالَ آمَنْتُمْ لَهُ ) أي لموافقة موسى ( قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) فهو دليل مخالفتكم إياي ( إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ) في باب السحر كأنه ( الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) فاتفقتم معه ليكون لكم الملك فو عزتي لأفعلن بكم فعل الملوك بمن أراد تبديل الملك ( فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ) أي من جانبين متخالفين ( وَ ) لا اقتصر عليه حتى يمكنكم اخراجنا من أرضنا بسحركم بل مع ذلك ( لَأُصَلِّبَنَّكُمْ ) متمكنين ( فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) التي هي أقوى الأخشاب وأخشنها ( وَ ) لئن زعمتم انكم انما آمنتم برب موسى خوفا من شدّة عذابه أو من تخليده في العذاب ( لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ) فان رب موسى لم يقطع من أحد يده ورجله من خلاف ولم يصلبه في جذوع النخل ولم يبقه مصلوبا ( قالُوا ) انما يستأذنك من يؤثر جانبك ونحن ( لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ ) الداعية إلى ايثار جناب الحق عليك وفيه إشارة إلى انا ما وافقناه لكونه أسحر بل لكونه صاحب البينات ( وَ ) لو لم تأتنا البينات ما كنا لنؤثرك على ( الَّذِي فَطَرَنا ) ولا نخاف ما خوفتنا به فإنه ليس بأشد من عذابه بالنار ( فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ) ولا أبقى فإنك ( إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ) التي لا بقاء لها ولا سلطان لك بعدها وقد دفعنا بهذا الايمان ما هو أشد وأبقى ( إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا ) الذي لا يزول سلطانه أبدا ولا بدّ لنا من الرجوع اليه ( لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا ) من القسم بعزة عدوه ومعارضة رسوله وأنواع الكفر في السحر ( وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ ) أي وما فعلت بنا مما يشبه الاكراه إذا تنازعنا الامر بيننا وأسررنا النجوى والاكراه لو تحقق فإنما يسقط الاثم لو لم يقع به اضرار متعد وهذا مما يتعدى الاضرار به لكونه ( مِنَ السِّحْرِ ) ولو لم يكن شئ من ذلك كيف نختار جنابك على جناب اللّه ( وَاللَّهُ خَيْرٌ ) من كل ما عداه ( وَ ) لو زعمت أنه ليس بخير منك فلا شك انه ( أَبْقى ) وكيف يكون عذابك أشدّ وأبقى مع أن عذابه الخلود في جهنم ( إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ ) خالدا فيها إذ ( لا يَمُوتُ فِيها ) فيستريح من عذابها ( وَلا يَحْيى ) حياة يستفيد بها ( وَ ) كيف تكون خيرا منه مع أنه ( مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ) التي لا تبلغ أعلى درجاتك أدناها فإذا كانت هذه درجات من تذلل له في العبادة فأين درجاته إذا على درجاتك ملك مصر وهذه